الأزمات والاكتئاب والانتحار

تخلف الصراعات الدموية المسلحة والحروب الدائرة فى بعض دولنا العربية تداعيات نفسية سلبية هائلة على المواطن العربى، سواء ذلك الذى يعايش هذه الظروف، أو من يتابعها على شاشات القنوات الاخبارية.. فقد أصبحت مشاهد الدمار والتخريب والقتل والتشريد والجوع طبقا يوميا عبر الفضائيات والصحف ووسائل الإعلام والتواصل المختلفة

 
 

أسماء الحسينى – نائب رئيس تحرير صحيفة الأهرام


 


وقد كشفت نتائج دراسة أجرتها ونشرتها مؤخرا جامعة واشنطن موضوعها «التداعيات الإنسانية النفسية لحروب المنطقة» عن عدد من الحقائق المؤلمة..
وقال معهد مقاييس الصحة الذى أعد الدراسة والتابع لجامعة واشنطن، إن العنف المستوطن والمستمر يخلق جيلا ضائعا من الأطفال والشباب، وحذر المعهد من أن مستقبل الشرق الأوسط سيكون قاتما إذا لم نجد طريقة لإحلال الاستقرار والسلام فى المنطقة.
 
كما رصدت الدراسة زيادة كبيرة فى حالات الإصابة بالأمراض النفسية والعقلية، ومن أبرزها أمراض القلق والكآبة وانفصام الشخصية، ولاحظت الدراسة أنه فى عام ٢٠١٥ بلغ عدد من انتحروا في منطقة الشرق الأوسط نحو ٣٠ ألف شخص، كما لقى ٣٥ ألفا حتفهم بسبب حوادث العنف بين الأشخاص، وهى زيادة بنسبة ١٠٠٪ و١٥٢٪ على التوالى خلال السنوات الــ ٢٥ الماضية، وتفوق هذه النسب المعدلات العالمية بمراحل كبيرة.
 
إن أسوأ ما فى المشهد العربى الراهن هو أن هذه الصراعات التى اندلعت فى أرجاء الوطن العربى تبث بذور الكراهية والحقد والاضطراب والتشوه النفسى والعقلى لدى أطفال وشباب ورجال ونساء هذه الأمة، الأمر الذي يقوض أركان حاضرها ومستقبلها.
 
فلا يمكن أن ينمو ذلك الطفل الذى روعته أصوات القنابل والصواريخ نموا نفسيا سليما، وليس من المتصور أن الصبية والأطفال الذين روعتهم مشاهد انهيار منازلهم وفقدان ذويهم، إلا أن يكونوا كائنات انتشرت شظايا وأطلال تلك الحروب فى جنبات نفوسهم وأرواحهم وعقولهم، الأمر الذى سيدفع البعض منهم إلى اتخاذ القرار الأخير المؤلم بالانتحار تخلصا من تلك الضغوط النفسية، وتلك المشاهد المروعة، وهذه الحياة البائسة التي تضغط علي عقولهم و أرواحهم.
 
وبالتأكيد فإن النازحين والمشردين الهاربين من القتل والترويع، والذين قضوا شهور الصيف القائظ في مخيمات الصحراء، وشهور البرد القارس فى المخيمات ذاتها عاما بعد آخر، أصبحوا كائنات هشة، مصير عدد كبير منهم الانهيار النفسى والعقلى والسقوط فى بئر الأمراض النفسية والانتحار.
 
إن أكبر خسائر الأزمات والصراعات التى تعصف بالمنطقة هذه الأيام هو الإنسان العربى.. ذلك الانسان الذى لا يجب أن ننتظر منه الكثير لا في الحاضر ولا في المستقبل طالما استمرت هذه الظروف المأساوية المعقدة.
 
إن هذه الصراعات المسلحة وغير المسلحة تضرب فى الصميم مناعة الشخصية العربية طفلا أم صبيا أم شابا.. إنها تدفعهم إلى الهروب من هذا العالم، والتفكير فى الهجرة إلى أوروبا وأمريكا أوالرحيل من الحياة كلها بالانتحار.
 
المدهش والمؤسف معاً هو أن مراكز البحث والعلم فى العالم العربى تبدو وكأنها غير مكترثة بكل هذا الخراب والدمار البشري والإنسانى، كما أنه من المؤلم أن تأتى جامعة واشنطن من على بعد آلاف الأميال لتجرى بحثا ميدانيا حول خسائرنا البشرية والانسانية..! وهو الأمر الذي لا يمكن قبوله دون التعليق والتساؤل ..، وكذلك هو الأمر الذي يدعو حكوماتنا وموسساتنا ومنظماتنا وجامعاتنا العربية ضرورة أن العمل والاضطلاع بواجباتها تجاه قضايا الأمة، وتجاه البؤساء العرب النازحين والمشردين واللاجئين الذين تقطعت بهم السبل، وحرموا من أبسط حقوقهم فى الأمن والمأكل والمأوى، دون ذنب اقترفوه…
 
إن هذه القضية فى غاية الأهمية وعلى مراكز الأبحاث والجامعات ووسائل الإعلام العربية الاهتمام بها وبتداعياتها النفسية التى تضرب بعمق المدنيين العرب بشكل عام سواء كانوا فى مناطق الصراعات أو حولها أو قريبا منها أو على البعد، فالتأثيرات النفسية لما نشاهده كل يوم فى سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان والصومال .. تترك فى نفوس المواطنين العرب الذين يعيشون هذه الأوضاع ندوبات عميقة، ولا يسلم من تلك الآثار النفسية السيئة بقية المواطنين العرب الذين يشعرون بالعجز وعدم القدرة على نجدة إخوتهم، وكذلك يشعرون بفقدان الأمان والكرامة وانسداد الأفق أمام إرساء قيم الحق والعدل والكرامة الإنسانية فى هذه المنطقة من العالم .